زكريا القزويني
95
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
سحابا رقيقا وإن كان البرد مفرطا أجمده البخار في الغيم وكان ذلك ثلجا ؛ لأن البرد يجمد الأجزاء المائية ويختلط بالأجزاء الهوائية ، وينزل برفق فلذلك لا يكون له في الأرض وقع شديد كما للمطر والبرد ، فإن كان الهواء دفيئا وارتفع البخار في الغيوم وتراكمت منه السحب طبقات بعضها فوق بعض كما ترى في أيام الربيع والخريف كأنها جبال من قطن مندوف « 1 » فإذا عرض لها برد الزمهرير من فوق غلظ البخار وصارت ماء وانضمت أجزاؤها فصارت قطرا عرض لها الثقل فأخذت تهوى من أعلى السحب وتلتئم القطرات الصغار بعضها إلى بعض ، حتى إذا خرجت من أسلفها صارت قطرا كبارا فإن عرض لها برد مفرط في طريقها جمدت وصارت بردا قبل أن تبلغ الأرض ، وإن لم تبلغ الأبخرة إلى الهواء البارد فإن كانت كثيرة صارت ضبابا ، وإن كانت قليلة وتكاثفت ببرد الليل ولم تجمد نزلت طلا وإن انجمدت نزلت صقيعا ، واللّه أعلم . واعلم أن من لطف الباري عز وجل أن أنزل المطر في كل سنة مقدارا معلوما عنده إلى مستقر الحيوان لا إلى القفار البلاقع « 2 » التي لا حيوان بها فإن أهل التجربة زعموا أن كل بقعة بينها وبين البحر لا يكون أكثر من مسيرة أربعين يوما فإنها لا تصلح لمسكن الحيوان ؛ لأن المطر لا ينزل بها ، ثم من تمام لطفه عز وجل أن أنزل القدر الذي يكون كافيا لا قاصرا ، فلا ينبت شيئا ولا زائدا على الحاجة فيعفن النبات ويفسده ويضر بالحيوان ، كما فعل بقوم نوح عليه السلام وإلى هذا المعنى أشار جلت قدرته بقوله : وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ [ المؤمنون : 18 ] ، ثم إنزاله قطرات صغيرة فلو صبه صبّا خدش الأرض وأتلف الزرع ، فسبحانه ما أعظم شأنه وأعز سلطانه وأوضح برهانه ، واللّه الموفق . 42 فصل : في الرياح زعموا أن حدوث الرياح من تموج الهواء وتحركه إلى الجهات ، كما أن تموج البحر هو تدافع الماء بعضه لبعض إلى الجهات ، فإن الهواء والماء بحران واقعان غير أن أجزاء الماء ثقيلة الحركة وأجزاء الهواء خفيفة الحركة ، وأما كيفية حدوثها فإن الأدخنة التي تصعد من الأرض من تأثير الشمس وغيرها إذا وصلت إلى الطبقة الباردة إما أن ينكسر حرها وإما أن تبقى على حرارتها ، فإن انكسر حرها تكاتفت وقصدت النزول فيموج بها الهواء فيحدث الريح ، وإن بقيت على حرارتها تصاعدت إلى كرة النار المتحركة بحركة الفلك فتردها الحركة الدورية إلى أسفل ، فيموج
--> ( 1 ) قطن مندوف : أي : قطن منقوش يقال : ندف القطن ندفا أي : نفشه بالمندف ليرق فهو مندوف ونديف . ( 2 ) البلقع : أي : الخالي من كل شيء ( ج ) بلاقع .